محمد بن جرير الطبري
116
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بن شريق لبني زهرة : يا بني زهرة ، إن محمدا ابن أختكم ، فأنتم أحق من كف عنه ؛ فإنه إن كان نبيا لم تقاتلونه اليوم ؟ وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته ، قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم ، فإن غلب محمد صلى الله عليه وسلم رجعتم سالمين ، وإن غلب محمد فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئا فيومئذ سمي الأخنس ، وكان اسمه أبي . فالتقى الأخنس وأبو جهل ، فخلا الأخنس بأبي جهل ، فقال : يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا . فقال أبو جهل : ويحك ، والله إن محمدا لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة ، فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ فآيات الله محمد صلى الله عليه وسلم . حدثني الحرث بن محمد ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا قيس ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ قال : ليس يكذبون محمدا ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ . ذكر من قال ذلك بمعنى : فإنهم لا يكذبونك ولكنهم يكذبون ما جئت به : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية ، قال : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : ما نتهمك ، ولكن نتهم الذي جئت به . فأنزل الله تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب : أن أبا جهل قال للنبي : إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب الذي جئت به . فأنزل الله تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ . وقال آخرون : معنى ذلك : فإنهم لا يبطلون ما جئتهم به . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ قال : لا يبطلون ما في يديك . وأما قوله : وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ فإنه يقول : ولكن المشركين بالله بحجج الله وآي كتابه ورسوله يجحدون ، فينكرون صحة ذلك كله . وكان السدي يقول : الآيات في هذا الموضع معنى بها محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبل . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ . وهذا تسلية من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وتعزية له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إياه على ما جاءهم به من الحق من عند الله . يقول تعالى ذكره : إن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قومك ، فيجحدوا نبوتك ، وينكروا آيات الله أنها من عنده ، فلا يحزنك ذلك ، واصبر على تكذيبهم إياك وما تلقى منهم من المكروه في ذات الله ، حتى يأتي نصر الله ، فقد كذبت رسل من قبلك أرسلتهم إلى أممهم فنالوهم بمكروه ، فصبروا على تكذيب قومهم إياهم ولم يثنهم ذلك من المضي لأمر الله الذي أمرهم به من دعاء قومهم إليه ، حتى حكم الله بينهم وبينهم وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولا مغير لكلمات الله . وكلماته تعالى : ما أنزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من وعده إياه النصر على من خالفه وضاده ، والظفر على من تولى عنه وأدبر . وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ يقول : ولقد جاءك يا محمد من خبر من كان قبلك من الرسل وخبر أممهم ، وما صنعت بهم حين جحدوا آياتي وتمادوا في غيهم وضلالهم أنباء . وترك ذكر " أنباء " لدلالة " من " عليها ، يقول تعالى ذكره : فانتظر أنت أيضا من النصرة والظفر مثل الذي كان مني فيمن كان قبلك من الرسل ، إذ كذبهم قومك ، واقتد بهم في صبرهم على ما لقوا من قومهم . وبنحو ذلك تأول من تأول هذه الآية من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون ، ويخبره أن الرسل قد كذبت قبله فصبروا على